القصة كجسر نحو قلوب الآخرين
منذ فجر الحضارة، كانت القصص أداةً بشريةً أساسيةً لنقل القيم والمشاعر بين الأجيال. فالطفل الذي يستمع إلى قصة أرنب صغير يبكي لأنه وحيد لا يكتفي بمعرفة الحبكة، بل يعيش تجربة الوحدة في مأمنٍ من الواقع. هذه الظاهرة ما يسمّيها علماء النفس "التعاطف القصصي"، وهي القدرة على الشعور بمشاعر الآخرين من خلال الانخراط في تجاربهم المُحكاة.
أثبتت دراسات حديثة أجرتها جامعة يورك البريطانية أن الأطفال الذين يُقرأ لهم بانتظام يُظهرون نتائج أعلى في اختبارات "نظرية العقل"، وهي القدرة على فهم أن الآخرين يحملون أفكارًا ومشاعر مختلفة عنهم. ولعل هذا هو السبب الجوهري الذي جعل القصة ركيزةً في كل ثقافات العالم: إنها تدرّب الدماغ البشري على الانتقال من الأنا إلى الآخر.
ما الذي يحدث في دماغ الطفل أثناء الاستماع؟
حين يستمع الطفل إلى قصة جيدة السرد، تنشط في دماغه مناطق متعددة في وقت واحد: القشرة السمعية لمعالجة الكلمات، ومنطقة المشاعر في الجهاز الحوفي للتفاعل مع الشخصيات، والقشرة الحركية إذا تضمنت القصة وصفًا لحركة جسدية. وهذا ما يجعل التجربة القصصية كاملة ومُغنية بطريقة لا يمكن لأي تعليم نظري جاف أن يُحاكيها.
علاوةً على ذلك، تحفّز القصة إفراز مادة الأوكسيتوسين في الدم — هرمون الارتباط والتعاطف — مما يجعل الطفل أكثر إقبالًا على مساعدة الآخرين بعد الاستماع إلى حكاية مؤثرة. وهذا ليس مجرد نظرية: ففي تجربة أجرتها الباحثة بول زاك، أعطى المشاركون تبرعات أعلى للجمعيات الخيرية مباشرةً بعد الاستماع إلى قصص ذات بُعد إنساني.
كيف تختار القصص التي تُنمّي التعاطف؟
ليست كل القصص متساوية في أثرها على التعاطف. القصص الأكثر فاعلية هي تلك التي تصوّر شخصيات ثلاثية الأبعاد تواجه صراعات داخلية حقيقية، وتكشف عن نقاط ضعفها بجرأة وصدق. حين يرى الطفل الأرنب الشجاع يخاف أحيانًا، تنكسر صورة البطل المثالي ليحل محلها إنسان — أو حيوان — كامل الإنسانية.
كذلك تفيد القصص التي تعرض وجهات نظر متعددة لحدث واحد، إذ تعلّم الطفل أن الحقيقة ليست أحادية، وأن كل شخص يرى العالم من نافذة مختلفة. وهي مهارة تعاطفية لا غنى عنها في عالم متنوع ومعقد.
كاتبة المقال
ريم متولي نافع
كاتبة قصص أطفال ومدربة تعليمية متخصصة في الحكي الإبداعي وتعليم القراءة. تُصدر مجموعات قصصية هادفة وتُقدّم ورشًا لمئات المعلمين والأهل.
اعرف أكثر عن ريم